عبد الرحمن السهيلي

277

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

الحميراء معك يا محمد ؟ فقال : هي عائشة بنت أبي بكر ، فقال : طلقها ، وأنزل لك عن أم البنين ، في أمور كثيرة تذكر من جفائه ، أسلم ، ثم ارتد ، وآمن بطليحة حين تنبأ وأخذ أسيراً ، فأتى به أبو بكر رضي الله عنه أسيراً ، فمن عليه ، ولم يزل مظهراً للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات . قال الشاعر : وإنّي على ما كان من عنجهيّتي * ولوثة أعرابيّتي لأديب وذكر حفره الخندق ، وأنه عرضت له صخرة ، ووقع في غير السيرة عبلة وهي الصخرة الصماء ، وجمعها عبلات ، ويقال لها : العبلاء والأعبل أيضاً ، وهي صخرة بيضاء . البرقات التي طلعت من الصخرة : وذكر أنه لمعت له من تلك الصخرة برقة بعد برقة ، وخرجه النسوي من طريق البراء بن عازب بأتم مما وقع في السيرة ، قال : لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا حجر لا يأخذ فيه المعول ، فأخذ المعول ، وقال : بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ، وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكان هذا ، قال : ثم ضرب أخرى ، وقال : بسم الله ، وكسر ثلثاً آخر ، قال : الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ، ثم ضرب ثالثة ، وقال : بسم الله ، فقطع الحجر ، وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر باب صنعاء من مكاني هذا الساعة . وقوله : فأساً ولا مسحاة . المسحاة : مفعلة من سحوت الطين ، إذا قشرته ، ويقال لحد الفأس والمسحاة : الغراب ، ولنصليهما : الفعال بكسر الفاء ، قاله أبو عبيد في حديث سلمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أنه عليه السلام حين ضرب في الخندق قال : بسم اللّه وبه بدينا * ولو عبدنا غيره شقينا * حبّذا ربّاً وحبّذا دينا زغابة : وقوله : حتى نزلوا بين الجرف وزغابة . زغابة اسم موضع بالغين المنقوطة والزاي المفتوحة : وذكره البكري بهذا اللفظ بعد أن قدم القول بأنه زعابة بضم الزاي والعين المهملة ، وحكي عن الطبري أنه قال في هذا الحديث بين الجرف والغابة ، واختار هذه الرواية وقال : لأن زغابة لا تعرف . قال المؤلف : والأعرف عندي في هذه الرواية رواية من قال : زغابة بالغين المنقوطة ، لأن في الحديث المسند أنه عليه السلام ، قال في ناقة أهداها إليه أعرابي ، فكافأه بست بكرات ، فلم يرض ، فقال عليه السلام : ألا تعجبون لهذا الأعرابي ! أهدى إلي ناقةً أعرفها بعينها ، كما أعرف بعض أهلي ذهبت مني يوم زغابة ، وقد كافأته بست فسخط . الحديث ، وقال : ذنب نقم ونقمى معاً . معنى يفتل في الذروة والغارب : وذكر حيي بن أخطب ، وما قال لكعب ، وأنه لم يزل يفتل في الذروة والغارب . هذا مثل ، وأصله في البعير ، يستصعب عليك فتأخذ القراد من ذروته وغارب سنامه ، وتفتل هناك ، فيجد البعير لذةً فيأنس عند ذلك ، فضرب هذا الكلام مثلاً في المراوضة والمخاتلة ، وكذلك جاء في حديث ابن الزبير حين أراد عائشة على الخروج إلى البصرة ، فأبت عليه ، فجعل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته . وقال الحطيئة : لعمرك ما قراد بني بغيضٍ * إذا نزع القراد بمستطاع يريد : أنهم لا يخدعون ولا يستذلون . الحنوا إلى لحنا : وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الحنوا لي لحناً أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد الناس .